الخميس، 21 نوفمبر 2019



قصيدة للشاعرة :فيسوافا شيمبورسكا 




احتمالات :

 أُفضّل الأفلام
 أُفضّل القطط
 أُفضّل البلوط على طول نهر فارتا.
 أُفضّل ديكنز على دوستويفسكي.
 أُفضّل نفسي المولعة بالناس
على نفسي المحبة للبشرية.
 أُفضّل الاحتفاظ بإبرة وخيط في متناول اليد،
  لمجرد التحسّب.
 أُفضّل اللون الأخضر
 أُفضّل عدم الإبقاء
فذلك هو السبب المسؤول عن كل شيء.
 أُفضّل الاستثناءات
 أُفضّل أن أرحل باكراً.
أُفضّل التحدث إلى الأطباء عن شيء آخر.
 أُفضّل الرسوم التوضيحية المبسطة القديمة.
 أُفضّل عبثية كتابة الشعر
على عبثية عدم كتابته.
وأُفضّل، عندما يتعلق الأمر بالحب،
احتفالات الذكرى السنوية غير المعينة
التي يمكن الاحتفال بها كل يوم.
 أُفضّل الأخلاقيين
الذين لا يعدونني بشيء.
 أُفضّل اللطف الماكر على النوع المفرط في الثقة.
 أُفضّل التراب على الملابس العادية.
 أُفضّل الفتح على قهر البلدان.
 أُفضّل وجود بعض التحفظات.
 أُفضّل جحيم الفوضى على جحيم النظام.
 أُفضّل حكايا الجنيات على الصفحات الأولى للصحف.
 أُفضّل الأوراق دون زهور على الزهور دون أوراق
 أُفضّل الكلاب ذات الذيول الكاملة.
 أُفضّل العيون الفاتحة لأن عيناي داكنتان.
 أُفضّل أدراج المكتب.
أُفضّل الأشياء التي لم أذكرها هنا
على أشياء كثيرة تركتها أيضًا دون ذكر.
 أُفضّل الأصفار في الخسارة
على تلك التي تصطف وراء شيفرة.
 أُفضّل زمن الحشرات على زمن النجوم.
أُفضّل أن أطرق الخشب.
 أُفضّل عدم السؤال كم من الوقت ومتى.
 أُفضّل الأخذ في الاعتبار حتى الاحتمال
بأن يكون للوجود سبب كينونته الخاص.

السبت، 16 نوفمبر 2019

أنا أتحدث
    رافائيل غيلين  




أنا أتحدث

أقول الحب. فتاة صغيرة
تقسم عود النعناع بين أسنانها
وتعطيني نصفه.

أقول الحياة. مائة ألف رجل
يصرخون بصوت خشن
 لا ينبغي أن تكون عقوبة.

أقول الأم. امرأة،
تغني لي أغنية قديمة،
وتمسح أنفي وأنا أصرخ.

أقول وطني. يحجم شاب
الدم في يديه الممدودتان
ويقول انه لم يبدأ.

أقول الموت. ويركض شخص ما
عبر الشوارع الفارغة في منتصف الليل،
باحثاً عن كاتب العدل.

أقول الإيمان. كاهن
يكشف رأسه ويرفع عينيه إلى الله
وجنازة من الدرجة الأولى تمرّ.

أقول الله. ويراقبني
في صمت كل شيء.
_____________


اللفتة الأخيرة

رجل ممدد تحت السماء.
لقد ذهب إحساسه باللمس.
يصعد النمل عنقه نحو أعواد القمح.
وهذا أبشع ما في الموتى:
أن تغطيهم الحياة وتمتصهم.

لأن الرجل مات، في الساحة
يلعب الباقون لعبة الورق المعتادة.
الحبوب جاهزة للحصاد،
والقوارب تقف على الرصيف، وهي تتجهز
لثقل المرساة عند الفجر.
الرجل الميت هو الأمل ووجهه لأسفل.

لأن الرجل قد مات ومن الممكن
أن في جيبه علبة من السجائر
فتحت لتوها.
فهذا أفظع ما في الموتى:
أنهم يتوقفون فجأة في خضم الأمور.

مات رجل عندما كان يكتشف نفسه
يقف مواجهاً جسده،
ويرفع يده، محاولا وداع نفسه.

يموت الرجل، بشكل قاطع،
حين يموت من يتذكرونه.

يقاوم الموتى الموت
ويدافعون عن أنفسهم بوزنهم الخامل،
وفي ذلك الصراع يكون صراخهم رهيبا،
لأن العيون فقط من تستطيع سماعهم.

علينا أن نحب الموتى، لنفهمهم.
فهم كالأطفال الجيدين في نوبة من العبث.
لقد فقدوا ألعابهم وأطواقهم وطائراتهم الورقية،
ولن يتجاوزوا حزنهم أبدا.
__________________


آثار في الغبار

كالأصبع الذي يمر
على السطح المتربة
لقطعة مهملة من الأثاث تاركاً
أثراً لامعا يُبرز حزن
شيء سقط على جانب الحياة،
ظل يواصل وجوده ولكنه لا يستطيع
المشاركة بعد الآن، ولا حتى بتلك
الطريقة السلبية والبسيطة جدا
في أن يكون واضحاً هناك، معرضاً
ليخدم شيئا ما؛ كالأصبع
الذي يتتبع علامة جوالة، بعيدا عن
أي أهمية، مقاداً ببساطة
بكسل الدافع غير المبرر،
تاركا هناك
في الغبار دليلا على فعل الإرادة
الذي دون طائل،
بحيث، يتركه هناك،
دون وعي تقريبا.

 أشعر أن شخص ما
يمر بحياتي، شخص،
أثناء تفكيره في شيء آخر،
يتبع مساراً معي، ويسلي نفسه
برسم علامة غير مفهومة
سوف يمحوها الزمن بصمت،
وسيغطيها الغبار مرة أخرى
حتى قبل أن أتمكن من تفسير
أهميتها المشفرة، وذلك هو، إن كانت لها
أهمية، إن كان لها سبب ما
في أن تكون تلك العلامة العابرة.
____________________


قصيدة لفتاة حزينة

تظهرين سرورك لكل من يدفع الفاتورة،
وتمسحين بحزن القبلات عندما ينتهي كل شيء
والحزن المستحيل يجمّد البذور بداخلك.

   أضواء غرفة المشرب وصوت الكؤوس
تردد شكلاَ ليس في أي مكان مريح.
النَفَس المشحون بالتثاؤب الذي لا يقاوم
يتخثر في طريقة وجودك.
ضحكك يلتف مرة أخرى على نفسه
 وأنت تمسحين المشرب
بالإيقاع اللزج للقطران المذاب والنعناع
الذي يوخز فخذيك مثل قرص لطيف.

أتخيلك تعدّين الفراشات.
أراك بضفيرتك القصيرة، تجلسين عند البئر.

شعرك ينسحب خلفك في الشوارع المظلمة،
صديقتي في الزاوية التي تصور ظلك،
فتاة من قصاصات صغيرة من التاريخ الخاطئ.

الوجوه مدرعة بالبرد والوقاحة.
تقيسين، بالثانية، مدة القبلة،
أختا صغيرة لنقرات الأقفال،
ساكنة عالم من السلالم المتهدمة.

المرآة على طاولة الزينة لا تخونك تماما.
لا يزال لديك ثبات شكلك العاري.
فتاة حبست منذ الآن وإلى الأبد
في خلفية لا تتبدل من الشراشف المستعملة.
أتصورك تضعين الكتان الأبيض.
وأراك في منظر طبيعي للقوارب والأطفال الرضع.

لا أعرف، أيها الفتاة الحزينة، أي سحابة في الخريف
 أمطرت الدبابيس على سكينة تعابيرك.
لا أعرف ما اليد الموحلة
التي سرقت قناع الشهوة ذاك من الجرانيت.

أشباح التفاح تطارد فراغاتك المسننة.
الضحك الصافي يسخر من أحلامك الباهتة.
كم هو واضح، وكم هو عنيف ضوء الفجر
الذي يدفعك لتنظري في نفسك!
في أي بحيرة رميت مفتاح التنهدات؟
أيتها الفتاة المغمورة، أيتها الفتاة الغاضبة،
ليلة مضخمة تملأ جسدك.

أود أن أعطيك دمية كبيرة رائعة.
وأدير طريقك نحو الحقول المفتوحة، المحروثة حديثاً.

 ______________
Chris Gwaltney

ذات يوم، عند الفجر

ذات يوم، عند الفجر، عدت وحدي،
كيف يفعل الرجال. لابد أن ذلك كان
 منذ بعض الوقت.
ولد الوضوح هناك في عمق الشوارع ،
بالطريقة التي يولد بها الاسى في أخر الشراب.

نحن دائما نعود لوحدنا. ولا أعرف لماذا بدت الشوارع
خاوية جدا في نهاية ليلة من الحب.
خلف الأبواب المغلقة ، كان ممكنا سماع الأزواج
يتقلبون في رطوبة النوم.

أنا لم أفهم ذلك أبدا. نحن نتسلق الجسد
بالطريقة التي يصل بها صبي لأعلى غصن.
وفجأة ، وتحت السماء ، الجسد الذي كان كل شيء
يستهلك نفسه بعيدا تحت احضاننا.

وبعدها نرى كيف أن الأرض أخفقت معنا،
كيف تستنزف الحياة من خلال صدع تحت الباب.
الوفرة التي جاءت إلينا بلمسة
في نفس اللمسة تهرب وتتبدد.

في الحقول ، فوق الأسطح ، كانت الساعة الخامسة تدق.
في مكان ما بالقرب ، لابد أن الياسمين استيقظ.
عدت متعباً، بالطريقة التي يعود بها الرجل
الذي ساهم بنصيبه في ألم العالم.

عري الذراعين. فسحة في الحلق.
الساقان تتمايلان ، تسعيان لإطلاق سراح.
الخصر الصلب لتشبث به يديك ،
بالطريقة التي تضعين بها وزنك على المحراث.

أنا لم أفهم ذلك أبدا. احدق وجها لوجه،
مثل مرأتين توأمين  لا تعكسان سوى صورتيهما.
أمام العينين ، شريط معتم
يخفي وراءه كل عاشق أنانيته.

كانت قريبة جدا ، تلك المرة ، لتعطيني شيئا
ربما أصبح ذلك ، في الوقت المناسب ، تذكارًا.
أنظر إليها من هنا ، لكن لا وجه لها .
لا يمكن أن يكون حزني أكبر إن لم توجد.

نلقي أنفسنا على جسد كما لو انه البحر ، ونتعلم
أن الحب ، كالماء ، لا يبدي مقاومة.
القليل الثمين هو ما يتبقى بعد ذلك ، إن لم
تبتدع الرقة أسبابها لمواصلة العيش.

نلج الأماكن التي لا تنتمي لنا.
اللحم، كالدخان، يتحرك بعيدًا عند لمسه.
اليوم أنا لا أطلب أسباباً، وأنا أمنح نفسي،
وأقبل، وأتظاهر؛ لكنني أعرف أنه ابتزاز.

بدأ ذلك اليوم مثل أي يوم آخر
لأن كل الأيام تبدأ ولا تنتهي أبدًا.
ألان الفجر حواف السقوف الأخيرة
والضوء يجهّز انفجاره الأول.

نحن دائما نعود وحيدين من المضاجعة. مثل ذلك،
لأن الرجل حبيس جلده والأحلام فقط
هي ما يهم، وليس دائمًا، يكشف نهد،
نصف عار
 لنا فجأة سوء حظنا الكبير.


الخميس، 24 أكتوبر 2019

قصائد فيونا بنسون


3قصائد لفيونا بنسون


شجرة كمثرى مزهرة

هذا الأسبوع ترسم شجرة الكمثرى الصغيرة الرفيعة
أو Poirier blanc-، كما يجب أن أتعلم أن أقول -
في هوس بالبساتين.  تربط يديك لتبقيها دافئة وتثبت حامل الرسم
 في مواجهة رياح الشمال القاسية،
نحن مقبلون على فصل الشتاء،
تعُّب رشفات صباحية من الهواء الساطع اللاذع
ويصبح دمك نظيفاً. لا شيء تفعله سوى الرسم والنوم
بارداً مثل قديس في سرير النزل.

أتساءل الآن الى متى تستمر في ذلك -
ليس الزهد تحديدا، بل العمل -
شجرة بعد شجرة بعد شجرة، تتوهج دزينة بساتينك،
كما لو أنك قد سمّرت الربيع. وإن كنت ستبقى
لتسير في طرق شجر الكمثرى عند الغسق
والكمثرى في فمك، فمك حلو للتقبيل،
ولحيتك المبللة ... يا إلهي. لم أظن ابدا أنى قد أتوسل.
فلا مانع. هنا Poirier blanc الخاصة بك،
زهرها يلمع في الفناء المظلم.
وهنا، مهما كان الحزن الذي ينتظرنا، يوجد الأمل.


ليلة مرصعة بالنجوم

لقد انتهيت من اللوحة الخاصة بك ولكن النجوم
مازالت لا تتبع أفلاكها والقمر يتضبّب

قمم السرو السوداء
والطرف الصلب الأزرق للمستدقة
يدور ويدور

وأنت مشدود بين عجلة كاثرين والكرباج -
نيران النجوم الذاهلة -
إلى الطوفان

العتمة المصابة بالدوار التي لا تنتهي منك أبدا
يا رفيقي القديم،
أوه ستحب أن تجدك في بركة السد،
بئرها المُغرِقة.

 صورة مع أذن مضمدة

ظهرت عند الباب باكيا، منهكا،
وخرقة ملفوفة تحت ذقنك مثل جثة،
أتمتم عزيزي، عزيزي. اجهز لك حمّاماً،
انقع ملابسك الداخلية القذرة، أسخن الحساء.
تجلس بجانب النار في رداء والدتي القديم وتغفو.
عندما تستيقظ تكون قد تبدلت.
تقول لي أني نتنة، وتفتح كل نافذة على الريح،
ترش الماء في كل أنحاء السرير كما لو كان حبنا القديم
يحترق، وتصرخ عاهرة، عاهرة، عاهرة وأنت تغادر.

  تظهر على بابي، مخمورا ولكن غير ثمل،
أذنك اليمنى التئمت ببراعم لؤلؤية وردية،
الثقب العاري في رأسك يكسوه الشمع.
تأكل الحساء مباشرة من الوعاء وتبقيني على اطلاع:
المانيكان تتحدث بقذارة، فهي جائعة وضجرة،
ترغب أن يُنقذها أحد. الطيور تتكلم من بطنها عن الملعونين،
وعن الذنوب التي تجعلك تدثر رأسك وترتجف.
تقول إنك تود أن تكون جيدًا.  تدس الخبز
في جيوبك لوقت لاحق وتمشي عائدا إلى البرد.

تظهر على بابي. الأوردة تبرز
على صدغيك، وأنفك مصاب وسيء.
للملائكة  أصوات تدور وتتألق
ويجب أن يستمع لها على جنب؛ 
إبرة الراعي في أصيص النافذة،
على سبيل المثال، تٌريق البتلات القرمزية على الطريق، 
وتُوعز بسفك الدماء، العلق -
عليك تفسير إشاراتها الى العالم. أوه لقد اخترتها بدلا مني
 ثم تأتي متعثرا الى المنزل، وقد فقدت
ثلاثة أصابع من قضمة الصقيع، قشرة من الدم على شفتك العليا
 وأسمح لك بالدخول، أسمح لك، وأسمح لك

أتذكر الأماسي الطويلة لصباك
 التي قضيتها متلفعاً بالأغطية كما لو أن الليل لن يأتي أبداً،
وكيف كنت قويا وواضحا، وقتها.

  أجدك الآن تنبش أصيص الغرفة بحثًا عن علامات،
أو تقف في المطبخ، تلمع أطرافك العارية الزرقاء،
باحثا عن السكاكين. عزيزي، عزيزي، نحن نستنفذ نعمتنا
. سيأتي الرجال ويسألونني التأكيد
على اسمك. أريدك قويا وبصحة جيدة.
ابقى، أرجوك.






الخميس، 16 أغسطس 2018


يوميات ورسائل مختارة ميخائيل بولغاكوف





  17 نوفمبر 1921
إلى فارفارا ميخايلوفنا فوسكريسنسكايا *
  
ماما العزيزة ،

كيف حالك؟ وهل انت بصحة جيدة؟

أنا آسف حقاً، أني لا أستطيع في رسالة قصيرة أن أخبرك بالتفصيل كيف تبدو موسكو حقاً هذه الأيام. يكفي القول بأن الناس يخوضون صراعاً مجنوناً من أجل البقاء ويضطرون للتكيف مع الظروف الجديدة. اعتقد أني تمكنت منذ وصولي من تحقيق كل ما يمكن تحقيقه في الأسابيع الستة التي كنت فيها هنا. لدي وظيفة - ليست بالشيء الهام ، أعلم ذلك ، ولكن عليكِ أن تكوني قادرة على كسب لقمة العيش. وهذا شيء نجحت في القيام به، صدقي أو لا تصدقي . بطريقة بائسة حتى الآن، هذا صحيح، ولكني و تاسكا نتدبر أمر الطعام وتخزين البطاطا. لقد أصلحت حذاءها وبدأنا بشراء الخشب للمدفئة، وما إلى ذلك.
العمل محموم، وليس سهلاً على الإطلاق. من الصباح وحتى المساء ، يوماً بعد يوم، ودون انقطاع.
لقد أعيد تنظيم المؤسسات السوفياتية تماماً، بتسريح العمال. وشمل ذلك شركتي الخاصة التي من الواضح أنها لن تدوم طويلاً. لذا سأكون قريباً عاطلاً عن العمل. ولكن ليس هذا مهماً: لقد اتخذت خطوات، قبل فوات الأوان، للتحول إلى العمل الخاص. سوف تكونين بلا شك على علم بالفعل أن هذا هو السبيل الوحيد للعيش في موسكو - إما ذلك وإما أن يؤسس المرء لنفسه عملاً تجارياً.

أحاول أن أجد لنفسي مكاناً في صناعة الكتان. وما هو أكثر من ذلك، لقد مُنحت يوم أمس عملاً كصحفي في صحيفة صناعية بدأت للتو. أنا لا أعرف حتى الآن بأي شروط. إنها مؤسسة تجارية حقيقية، وهم يوظفونني لفترة تجريبية. وكان علي بالأمس أن أخضع لإمتحان، إن جاز التعبير. ينبغي غداً أن يعطوني مُقدّماً نصف مليون. وهذا يعني أنهم يُثمّنونني عالياً ، ومن الممكن أني سأكون المسؤول عن قسم الأخبار. وهذا ما ينتظرني : الكتان، الصحيفة الصناعية و (بشكل عارض ) عملي الخاص. البحث عن عمل من هذا النوع هو بالضبط ما كان في ذهني عندما كنت في كييف. وأي نوع آخر من العمل سيكون مستحيلاً. فهو يعني، في أحسن الأحوال، أننا سنجوع.

 أعرف حشداً من الناس هنا – صحفيين و مسرحيين أو ببساطة رجال أعمال. وهذا يعني الكثير في موسكو اليوم، التي تتغير نحو اسلوب جديد للحياة، شيئاً لم تشهده منذ زمن - التنافس المجنون، يتسابق الجميع الى تقديم المبادرة وما الى ذلك. عليكِ أن تعيشي هكذا، وإلا فستموتين . وأنا لستُ راغباً في الموت.

 تاسكا[1] المسكينة تتخبط محاولة طحن حبوب الجاودار برأس الفأس وإعداد الطعام من جميع أنواع البقايا . لكنها رائعة ! في كلمة واحدة، نحن على حد سواء نتخبط معاً، ونضرب رؤوسنا في الثلج مثل الأسماك. طالما لدينا فقط سقف فوق رؤوسنا. غرفة أندريه[2] منقذة للحياة ، عندما تأتي ناديا[3]،سيصبح الأمر أكثر صعوبة بطبيعة الحال. ولكني أُخرج ذلك من ذهني الآن وأحاول عدم التفكير فيه ، فلدي ما يكفي للقلق على كل يوم بيومه .

في موسكو مئات الآلاف والملايين فقط ما تستحق أن تعد شيئاً. الرطل من الخبز الأسود يكلف 4,600 روبل، و الرطل من الأبيض 14,000، . والأسعار تتزايد كل الوقت ! المحال التجارية مليئة بالسلع، و لا يمكنكِ تحمل سعر أي شيء! المسارح مليئة، وفيما كنت أسير ماراً على البولشوي في عملٍ يوم أمس (الذهاب الى أي مكان دون عمل هو شيء بعيد المنال في الوقت الحاضر!) كانت الفتيات يبعن التذاكر بــ 75 و 100 و 150 ألف روبل لكلٍ منها ! . يوجد في موسكو كل شيء: الأحذية، القماش، اللحوم، سمك الحفش، المربيات، المشهيات - كل شيء! المقاهي تُفتح، وتنتشر كالفطر. وفي كل مكان، مئات الآلاف من الروبلات ! مئات الآلاف! كموجة هائلة من المضاربة.

لدي حلم واحد فقط: أن أعبر فصل الشتاء، أن أنجو من ديسمبر، الذي سيكون الشهر الأكثر صعوبة، كما أحسب. لا أستطيع التعبير عن مدى فائدة تاسكا بالنسبة لي. مع المسافات الهائلة التي يجب أن أغطيها كل يوم راكضاً (حرفياً ) حول موسكو، هي توفر لي كمية هائلة من الطاقة والقوة، وتغذيني وتترك لي أن افعل فقط تلك الأشياء التي لا تستطيع أن تفعلها بنفسها : تقطيع الخشب في الأمسيات و تحميل البطاطا الى الخارج في الصباحات .
نحن نذرع معاً أنحاء موسكو بمعاطفنا القصيرة البائسة. أمشي بجانبها و جانب معطفي أمام الآخر (الجانب الأيسر يتيح المزيد من الهواء البارد لسبب ما). أحلم بأن أجلب لتاتيانا شيئاً دافئاً لقدميها. ليس لديها سوى حذائها الصغير . ولكن ربما ستكون الأمور على ما يرام ! فقط طالما لدينا غرفة و نحن بصحة جيدة !.
  أكتب لك كل هذا لمجرد أن أبين لك الظروف التي علي فيها تحقيق الفكرة التي اهجس بها : أن أنشيء وفي غضون ثلاث سنوات الوضع الطبيعي من شقة وملابس ومواد غذائية وكتب. هل سأكون ناجحاً أم لا ، سيكون علينا أن نتظر لنرى.
أنا لن أقول لك، لأنك لن تصدقني، كم نعيش مقتصدين أنا و تاسكا . نحن حريصون على كل قطعة صغيرة من الحطب.
هذه هي مدرسة الحياة القاسية .
في المساء أعمل بصورة غير منتظمة على كتابي مذكرات طبيب في الارياف[4] ، الذي قد يتحول إلى مجلد كبير جداً .أعمل أيضاً على قصتي المرض[5] . ولكن ليس لدي الوقت، ليس لدي الوقت! هذا ما هو مؤلم حقاً !

ملاحظة : هل يمكنك تخمين ماهي الذكرى الأكثر امتاعاً لي مؤخراً ؟، الاستلقاء على أريكتك وشرب الشاي مع اللفائف الفرنسية. أود أن افعل الكثير لأكون قادراً على القيام بذلك مرة أخرى، ولو لبضعة أيام، أشرب الشاي و لا أفكر بشيء. أنا متعب جداً فقط .

1 ديسمبر
إلى ناديا زيمسكايا

  أنا رئيس قسم الأخبار حالياً في صحيفة رائد الأعمال التجارية والصناعية، وإذا فقدت اعصابي فعليكِ أن تعرفي لماذا. أيمكنكِ تخيل ما يعنيه إنتاج صحيفة مستقلة ؟! هناك مقال يجب أن يكتبه بوريس[6] في العدد الثاني، عن صناعة الطيران، عن السعة المكعبة والاحتياطيات وذلك النوع من الأشياء . أكاد أجن تماماً. ماذا عن إمدادات الصحف؟ ماذا لو لم نحصل على أي إعلان؟ ثم هناك الأخبار! والرقابة ! أنا في نقطة غلياني طوال اليوم.

لقد كتبت نصاً عن يوجين أونيجين[7] لمجلة الشاشة الخاصة بالمسرح .و لم يتم قبوله. والسبب: أنه مناسب لمجلة أدبية، وليس لمجلة مسرح. وكتبت مقالاً أدبياً مخصصاً لنيكراسوف[8] بعنوان "عروس الثأر". قبٍله مكتب المنشورات الفنية للجنة التعليم السياسي الرئيسية [التابعة لمفوضية التنوير]. ودفعوا لي 100. تم إرساله إلى صحيفة الرائد الفني ، الذي من المقرر أن تنشره تحت رعاية وزارة البيئة والتعليم. أنا أعلم بالفعل أن المجلة لن تصدر، أو أن شخصاً ما سيظهرفي اللحظة الأخيرة ولا تعجبه "العروس" ... وهلم جراً. يا لها من فوضى.

أرجوا ألا تتفاجئي بمثل هذه الرسالة غير المتماسكة بشكل شنيع – ليس ذلك متعمداً، بل فقط لأني بَليت حرفياً. لقد ضجرت من كل شيء. الكتابة غير واردة .والوقت الوحيد الذي أكون فيه سعيداً هو عندما تسكب لي تاسكا بعض الشاي الساخن. نحن الآن نأكل أفضل بما لايقاس مع ما كنا عليه في البداية. كنت أريد أن أكتب لك رسالة طويلة أصف فيها موسكو، ولكن هذا ما حصلت عليه بدلاً من ذلك.


[1] تاتيانا نيكولايفنا لابا (1892-1982)، زوجة بولغاكوف الأولى، من 1913 إلى 1924.
[2] أندريه ميخائيلوفيتش زيمسكي (1892-1946)، صهر ميخائيل.
[3] ناديا أفاناسيفنا زيمسكايا (1893-1971)، شقيقة بولغاكوف، المتزوجة من أندريه.
[4]  هي مجموعة من المذكرات تسمى ايضاً مذكرات طبيب شاب  ،تمثل قصصا من السيرة الذاتية تتعلق بعمل بولغاكوف كطبيب في الريف. وقد نشرت في المجلات الطبية بين عامي 1925 و1927.
[5] نسخة مهملة من قصة السيرة الذاتية المبكرة مورفين.
[6] بوريس ميخائيلوفيتش زيمسكي (1891-1941)، شقيق أندريه زوجها.
[7] رواية شعرية  (1833) كتبها الكسندر بوشكين (1799-1837)
[8] نيكولاي أليكسييفيش نيكراسوف (1821-1878)، الشاعر والصحفي.

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

جمل الرمال - للسوريالية ليونورا كارينجتون




جمل الرمال



  (  ليونورا كارينجتون )
               
       عاش الصبيان ، أ و ب ، في الغابة مع الجدة العجوز. كانت الجدة العجوز ترتدي دائما اللون الأسود ، كالمظلة ، وكان لها رأس صغير مستدير،أحمرمثل تفاحة. كان صابونها وبيجاماتها بالأسود أيضًا ، لونها المفضل.
 ذهب أ و ب للعب في الغابة بالرمال البيضاء.و صنعا جملاً. عندما انتهيا منه كان له مظهر الحي . قال أ و ب : "الجمل على قيد الحياة ، لكن مظهره سيئ."
  وكان ذلك صحيحًا ، لكن المطر سقط فتلاشى الجمل في سيل من الرمال. 
قالت الجدة : "حسناً ، لم يعجبني ذلك الجمل بسبب ما بدا عليه ".
         اما بالنسبة إلى الجمل التالي  فقد خلط أ و ب ، بعض الزبدة في الرمل. لكن عيناه كانتا أسوأ من سابقه . بقي الجمل كله في المطر. "إذا فعلنا شيئًا سحريًا فسينهض" ، قال ب. كان ذلك مفيدًا ، لأنه لم يكن يملك كلباً. 
لذا نزل غراب من الشجرة وقال: "أنا ، أعرف الشيء السحري الذي يجب عمله للجمل ". وخربش بضعة أحرف على جبين الجمل بمخلبه ، فنهض الجمل تعلوه ابتسامة شريرة. و سار. و ذهب الى المنزل.
بورتريه شخصي
            -  " هذا لأنه يخاف المطر" ، قال الغراب.
            - "لن تسر الجدة إذا دخل الجمل إلى الداخل ، فهي تطبخ الكستناء" ، قال أ.
أختبأ الأولاد وراء شجرة ، لأنهم كانوا يعرفون أن الجدة ستغضب إذا دخل الجمل المطبخ.  وكانوا على حق. 
كانت ثائرة من الغضب. و سرعان ما رأوا الجمل يعود و رأس الجدة في فمه. كانت مقلوبة رأساً على عقب وبدت مثل مظلة.
 "إنه يخاف الرطوبة ،" قال الغراب.
     كان المربى يحترق في المطبخ. ذهب أ و ب إلى المنزل لتدراكه  .
       "سيكون من اللطيف تناول بعض الرقائق" 
 قال أ و ب بعد أسبوع من تناول مربى الكستناء ، لكن الجمل كان يتجول ببطء في الغابة ، يحمل الجدة كمظلة. لم يفلتها أبداً . شاهد الغراب كل ذلك .
 "أنتما مدينان لي بجواهر الجدة"
 ، قال لهما  وأخذ قطعة كبيرة من المجوهرات من المنزل. "كان على أحد أن يلبسها ". وقام بتعليق كل جواهر الجدة على الشجرة ، على المرء أن يعترف أنها بدت لطيفة للغاية.

المشاركات الشائعة

مشاركة مميزة

قصيدة للشاعرة : فيسوافا شيمبورسكا  احتمالات :   أُفضّل الأفلام   أُفضّل القطط   أُفضّل البلوط على طول نهر فارتا. ...